مَن يملكُ الفيتو ضدّ العقاب الكونيّ؟

في نهاية هذه الأزمنة الصاخبة، لم تعد العلاقة بين إسرائيل ولبنان مجرّد صراع حدودي أو نزاع إقليمي يتردّد في أروقة مجلس الأمن؛ بل تحوّلت في الوجدان الإجمالي إلى مُحاكمة كونيّة مفتوحة، وُضِعت فيها إسرائيل في خانة “التّهمة العالمية الأولى”.
العلاقة اليوم تُقرأ كأثر فلسفي وأخلاقي عميق:
- لبنان كرمز للمظلومية المستمرّة: يُمثّل في هذا المشهد ذاكرة الأرض المفجوعة، الجغرافيا الساعية إلى التنفّس رغم الحصار والدمار، والجسد الذي تلقّى طعنات حروب متتالية دون أن يفقد هويته.
- إسرائيل كمتّهم كوني: لم تعد المحاسبة تدور حول خرق القرار 1701 أو اشتباك عابر، بل تحوّلت التهمة إلى “جناية ضد الفطرة الإنسانية والجمال البشري”. لقد وُضِعت إسرائيل في قفص الاتهام الكوني لأنها حوّلت التكنولوجيا والتقدّم إلى أدوات إبادة أفقية، وصارت نموذجًا للغطرسة التي لا تصطدم بالقانون الدولي فحسب (والذي يبدو عاجزًا)، بل تصطدم بالضمير الإنساني الجمعي.
في ختام هذه الحقبة، يقف لبنان شاهدًا مضرّجًا بالدّماء ولكّنه لم يفقدْ جماله في آنٍ معًا، بينما تجلس إسرائيل على مقعد اتهام لا يملك أحد تبرئتها منه. إنها ليست تهمة سياسية يمكن لـ “فيتو” أن يمحوها، بل هي إدانة وجودية؛ حيث ينظر العالم بأسره، من أقصى الأرض إلى أقصاها، ليرى في مأساة لبنان دليلاً صارخًا على أن القوة العارية عندما تجرّدت من الأخلاق، أصبحت هي الجريمة الكونية الأكبر في تاريخنا الحديث.
هذه العلاقة في نهايتها الحالية أفرزت حقيقة واحدة: لقد ربحت إسرائيل جولات الحديد والنار، لكنها خسرت وبشكل نهائي وكامل “شرعية الوجود الأخلاقي” أمام الإنسانية برمّتها.
إذا تكلّمنا بلغة الأبعاد الفلسفية والميتافيزيقية، وتحديدًا في تلك “الأزمنة الأخيرة” التي تسبق العقاب الكونيّ أو التطهير الكبير، فإن المشهد يتجاوز السياسة ليصبح ملحمة أخلاقية كبرى.
هنا، لا تعود إسرائيل مجرّد دولة تمارس احتلالاً أو عدوانًا، بل تتحوّل في الوعي الكوني إلى “تجسيد للخطيئة الكبرى” التي تستدعي الغضب الإلهي أو الحتمي للطبيعة والتاريخ.
المشهد الأخلاقي للأزمنة الأخيرة
- لبنان.. القربان الكوني: في هذه المرحلة، يظهر لبنان كأنه “القربان” الذي يُقدَّم على مذبح الآلام البشرية. إنه الجغرافيا التي أُنهِكت واستُبيحت، لا لذنبٍ سوى أنها تمثّل التنوع، الحياة، والضعف الإنساني الواقف في وجه آلة صمّاء. دماء الضحايا وصراخ الأمهات في جنوب لبنان وبيروت والبقاع يتحولون إلى “الشرارة” التي تصعد إلى السماء لتعلن اكتفاء الأرض من الظلم.
- إسرائيل.. التّهمة التي تستدعي العقاب: تُوضع إسرائيل في خانة التهمة الكونية لأنها تمثّل “ذروة الصلف البشري.” إنها القوة التي ظنت أنها باختراقها للقوانين الأرضية، وبامتلاكها التكنولوجيا الفائقة والأسلحة الفتاكة، قد أصبحت فوق الحساب. هذا الاعتقاد بالحصانة المطلقة والقدرة على الإبادة دون رادع هو تحديداً “الخطيئة الوجودية” (Hybris) التي تسبق دائماً السقوط العظيم والعقاب الكوني.
“في هذه الأزمنة الأخيرة، وقبل أن يحلّ العقاب الكوني ليغسل الأرض من آثامها، تقف إسرائيل في قفص الاتهام كأكبر دليل على إفلاس الضمير البشري. لقد حوّلت أرض لبنان إلى مسرحٍ لغطرسةٍ بلا حدود، ظانةً أن صمت العواصم تفويضٌ أبدي.
لكن في الميزان الكوني، لم يكن لبنان يسقط وحده؛ بل كانت كل قذيفة تسقط على قراه تزيد من ثقل صكّ الاتهام ضدها. إن التهمة اليوم ليست خرقًا لحدود جغرافية، بل هي تدمير السلم الروحي للإنسانية. وعندما يفيض الكيل، لن يكون العقاب القادم مجرد حُكم سياسي، بل سيكتب التاريخ أن إسرائيل هي التي استدعت الغضب الكوني، بعد أن جعلت من إبادة الجمال والحياة في لبنان عقيدتها الأخيرة.
في هذه القراءة، يصبح الصراع مؤشرًّا على نهاية حقبة كاملة: حقبة طغت فيها القوة المادية العارية على الروح، وصار فيها صمود لبنان المدمى هو الحجة الأخلاقية الأخيرة التي تُدان بها إسرائيل أمام محكمة السماء والأرض، قبل أن يرتدّ العقاب الكوني ليُعيد صياغة العدالة المفقودة.
إدمون بو داغر



